الهجوم الإجرامي الذي شنه الجولاني والسلطة الداعشية القديمة لـ«هيئة تحرير الشام»، والتي تعمل اليوم باسم حكومة سوريا، هو هجوم غير مباشر للدولة التركية. إن هجوم حلب ليس سوى إحدى نتائج الصفقة التي أبرمتها تركيا مع الولايات المتحدة بشأن سوريا. وهي صفقة تقوم على أن تُبقي تركيا السلطة الإسلامية السنية في سوريا تحت المظلة العسكرية الأمريكية، مقابل ألا تكون هناك عوائق أمام تقليص نطاق سلطة إدارة غرب كردستان.
مهما كانت قوات قسد مفيدة للولايات المتحدة في السابق، فإن هذا التوازن قد تغيّر اليوم، وأصبحت أولوية الولايات المتحدة هي حكومة الجولاني، لا قسد. وذلك لأن الجولاني قادر على السيطرة على القوى الداعشية التي تشبهه، وهذا أمر ضروري لأمن القوات الأمريكية في سوريا.
وبالنسبة لإسرائيل أيضًا، فإن السيطرة على غرب سوريا أهم من شرقها. وفي ظل هذه التغييرات التي تشهدها سوريا ما بعد «الأسد»، تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة بدرجة أكبر تنسيق مشاريع اقتصادية وأمنية وعسكرية مشتركة مع السعودية والدول العربية ودول الخليج. ولهذا السبب لم يقم الطرفان بأي عرقلة للمجازر التي ارتكبتها القوى الداعشية القديمة التابعة للجولاني في حلب ضد الأحياء الكردية، بل تغاضوا عنها.
ومن تجربة هزيمة حلب، ينبغي على قسد وشعب روﭼـاڤا (كردستان سوريا) أن يروا مستقبل هذه الخطة والمشروع التركي–الجولاني، الساعي للسيطرة على كامل غرب كردستان والسلطة في كردستان سوريا. فالبقاء على أساس اتفاق 10 آذار وخطاب حقوق الأقليات لا يوفر أي ضمانة لتأمين حقوق شعب كردستان سوريا، بل إن هذا الاتفاق بحد ذاته أداة بيد هاتين القوتين، تركيا والجولاني، لمواصلة الهجوم على غرب كردستان تحت ذريعة تنفيذ المادة الرابعة من الاتفاق، التي تنص على «دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إطار إدارة الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز».
تنظر تركيا إلى روﭼـاڤا (كردستان سوريا) كجزء من مشروعها المسمّى «مكافحة الإرهاب»، الذي يهدف إلى إنهاء أي قوة مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في المنطقة. فالحكومة التركية، في ظل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والخريطة الأمريكية الجديدة، تسعى إلى تحقيق طموحات إقليمية. وبوصفها قوة إقليمية، تواصل تدخلاتها العسكرية والسياسية في سوريا وكردستان العراق والمنطقة، وتسعى من هنا إلى إزالة العوائق الداخلية المتمثلة في «إرهاب» القوة العسكرية لحزب العمال الكردستاني أمامها. لذلك، وعلى عكس الدعاية حول «الحل الديمقراطي» لأوجلان، فإن الدولة التركية الحالية لا تحلم بالديمقراطية، بل جعلت من حلم الإمبراطورية الإقليمية هدفًا لهذه المرحلة.
الجولاني وحكومته، شأنهم شأن القوى الشيعية في العراق التي تُعد ساحتها الخلفية لإيران، هم أيضًا أدوات بيد تركيا. لذلك ينبغي على شعب غرب كردستان وقسد ألا يُفاجَؤوا بأوهام «مشروع السلام والديمقراطية في سوريا» و«التحالف مع الولايات المتحدة». إن رهن مستقبل روﭼـاڤا (كردستان سوريا) بـ«عملية السلام» التركية أو التحول إلى ذيل لدولة الجولاني، لا يوفّر أي مستقبل آمن ولا يضمن حقوق العمال والكادحين في غرب كردستان.
إن مأساة هزيمة حلب قدّمت هذا الدرس لغرب كردستان )روﭼـاڤا (، وهو أن على شعب كردستان سوريا أن يعمل على ترسيخ السلطة القائمة اليوم كأمر واقع، وإلا فسيبقون دائمًا عرضة لتكرار هذه المأساة على يد القوى المتوحشة.
إن نقطة قوة شعب روﭼـاڤا (كردستان سوريا) تكمن في دفاعهم الجماعي. وعلى هذه القوة المجتمعية أن تمتلك خطة مستقلة لمستقبل روﭼـاڤا (كردستان سوريا) السياسي، كي تتمكن من مواجهة مشاريع وخطط تركيا والجولاني الهادفة إلى السيطرة على روﭼـاڤا (كردستان سوريا). إن شعب روﭼـاڤا (كردستان سوريا) ومقاومتهم ضد هذه المخططات الاحتلالية ونضالهم من أجل الحرية يستحقون دعم جميع شعوب كردستان الحرة والمنطقة والعالم. وقد كشف هذا الحدث مرة أخرى القناع عن الإسلام السياسي في إقليم كردستان، مثل الاتحاد الإسلامي والحركة الإسلامية ورجال الدين الموالين لتركيا والجولاني، وكيف أن هذه القوى تقف في صف المحتلين وضد حرية شعب كردستان.





Add Comment